السيد كمال الحيدري

391

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

الفرضية الثانية ، وذلك لأنّ الفرضية الثانية تتضمّن عدداً كبيراً من الافتراضات المستقلّة بقدر فقرات الكتاب ، لأنّ كلّ فقرة من الكتاب إذا كانت نتيجة لخاطر جنونيّ ، فلا توجد أيّ علاقة تلازم بين كلّ فقرة والفقرات الأخرى . وهذا يعني أن الفرضية الثانية لا يمكن أن تفسّر تكوّن الكتاب الا على أساس عدد من الافتراضات المستقلّة لخواطر جنونية متطابقة مع فقرات الكتاب بل حروفه . وعلى العكس من ذلك الفرضية الأولى فإنها تتضمّن عدداً أقلّ من الافتراضات ؛ لأنّ المعرفة التي تفسِّر على أساس الفرضية الأولى فقرة معيّنة في الكتاب قد تكون بنفسها تفسّر عدداً آخر من الفقرات . فإذا رأينا مثلًا كلمة « غليان » قد استعملت مئة مرّة في الكتاب وجاءت دائماً في الموضع المناسب ، فقد لا يتطلّب ذلك على أساس الفرضية الأولى إلا افتراض أن الكاتب يعرف معنى كلمة « غليان » لأنّ كونه يعرف معنى الكلمة يكفي لتفسير ورودها في الموضع المناسب في كلّ المرات ، بينما لو أخذنا بفرضية أن الكاتب مجنون يصبح ورود الكلمة في كلّ مرّة حادثة مستقلّة عن ورودها في المرّات الأخرى . وبهذا كانت تلك الفرضية ذ افتراضات بعدد مواقع ورود الكلمة في الكتاب . وهكذا تصبح المجموعة من الافتراضات المستقلّة التي تتطلّبها الفرضية الأولى أقلّ كثيراً من مجموعة الافتراضات المستقلّة التي تتطلّبها الفرضية الثانية . وينشأ على هذا الأساس علمان إجماليّان : أحدهما : العلم الإجمالي الذي يستوعب احتمالات مجموعة الافتراضات المستقلّة التي تتطلّبها الفرضية الأولى ، لأنّ هذه الافتراضات إذا كانت ثلاثة مثلًا رمزنا إليها ب ( أ ، ب ، ج ) ففيها ثمانية احتمالات هي